عبد القادر الجيلاني
295
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
والوجود وشراب يسقيه المولى لوليه على منبر كرامته فإذا شرب طاش فإذا طاش طار قلبه بأجنحة الإنس في رياض القدس فيقع في بحر الهيبة فيصرع فلذلك يغشى على الواجد . وسئل رضي اللّه عنه عن الخوف فقال : الخوف على أنواع والخوف للمذنبين والرهبة للعابدين ثم الخشية للعالمين والوجل للمحبين والهيبة للعارفين فخوف المذنبين من العقوبات وخوف العابدين من ثواب العبادات وخوف العالمين من الشرك الخفي في الطاعات وخوف المحبين فوات اللقاء وخوف العارفين الهيبة والتعظيم وهو أشد الخوف لأنه لا يزول أبدا وسائر هذه الأنواع تسكن إذا قوبلت بالرحمة واللطف . وسئل رضي اللّه عنه عن الرجاء فقال : الرجاء في حق الأولياء أن يكون حسن الظن باللّه تعالى لا لرجاء الطمع في رحمة اللّه ، ولا ينبغي للولي أن يكون بلا رجاء ، والرجاء أن يكون حسن ظنه باللّه تعالى لا لطمع في نفع ولا لدفع سوء لأن أهل الولاية قد علموا أنه فرغ لهم عن جميع ما يحتاجون إليه فاستغنوا بعلمهم من حسن الفناء فحسن الظن إذن فضل من الرجاء ولا يكون رجاء بلا خوف لأن من رجا أن يصل إلى شيء خاف أن يفوته ، وحسن الظن باللّه تعالى معرفته بجميل صفاته ثم أمل به من حيث هو لا من حيث العبد علما منه بأن من صفاته محسن كريم رحيم لطيف رؤوف ، وحسن الظن باللّه تعالى تعليق الهمم على ما سبق من نظر العناية ونظر القلب إلى الربّ بلا تطميع للقلب ولا تمنيته الأرواح وطمع العامة نهايات أكثر أسبابه صدق عليه اسم الرجاء ومتى انخرمت عليه أكثر أسبابه فاسم الطمع أولى به من اسم الرجاء والرجاء بلا خوف أمن والخوف بلا رجاء قنوط قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا » . وسئل رضي اللّه عنه عن الحياء فقال : هو أن يستحيي العبد أن يقول : اللّه ما لم يقم بحقه وأن يتوجه إلى اللّه بالمحارم وأن يتمنى على اللّه ما لا يستحقه عليه وأن يترك المعاصي حياء لا خوفا وأن يقضي الطاعات وأن يرى الحق مطلعا عليه فيستحيي منه وقد يتولد الحياء من ارتفاع الحجب بين القلب وبين الهيبة . وسئل رضي اللّه عنه عن المشاهدة فقال : هي العلماء عن الكونين بعين الفؤاد ومطالعة الحق بعين المعرفة واطّلاع القلوب بصفاء اليقين إلى ما أخبر به من الغيوب . وسئل رضي اللّه عنه عن معنى القرب فقال : هو طيّ المسافات بلطف المداناة .